المقريزي

61

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وبلغ النّصرانيّ الذي تولّى له بناء العين - وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق - الخبر . فكتب إليه يقول : أنا أبنيه لك كما تحبّ وتختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة . فأحضره ، وقد طال شعره حتى نزل على وجهه ، فقال له : ويحك ، ما تقول في بناء الجامع ! فقال : أنا أصوّره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلّا عمودي القبلة « 1 » . فأمر بأن تحضر له الجلود ، فأحضرت ، وصوّره له ، فأعجبه واستحسنه ، وأطلقه وخلع عليه ، وأطلق له للنّفقة عليه مائة ألف دينار ، فقال له : أنفق وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك . فوضع النّصرانيّ يده في البناء في الموضع الذي هو فيه ، وهو جبل يشكر ، فكان ينشر منه ويعمل الجير ، ويبني إلى أن فرغ من جميعه ، وبيّضه وخلّقه ، وفرش فيه الحصر ، وعلّق فيه القناديل بالسّلاسل الحسان الطّوال ، وحمل إليه صناديق المصاحف ، وقفل « ( a » إليه القرّاء والفقهاء ، وصلّى فيه بكّار بن قتيبة القاضي ، وعمل الرّبيع بن سليمان بابا فيما روى عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « من بنى للّه مسجدا ، ولو كمثل مفحص « ( b » قطاة ، بنى اللّه له بيتا في الجنّة » . فلمّا كان في أوّل جمعة صلّاها أحمد بن طولون فيه ، وفرغت الصّلاة ، / جلس محمد ابن الرّبيع خارج المقصورة ، وقام المستملي وفتح باب المقصورة ، وجلس أحمد بن طولون ولم ينصرف ، والغلمان قيام وسائر الحجّاب ، حتى فرغ المجلس . فلمّا فرغ المجلس ، خرج إليه غلام بكيس فيه ألف دينار ، وقال : يقول لك الأمير : نفعك اللّه بما علّمك ، وهذه لأبي طاهر ، يعني ابنه . وتصدّق أحمد بن طولون بصدقات عظيمة فيه ، وعمل طعاما عظيما للفقراء والمساكين ؛ وكان يوما عظيما حسنا . وراح أحمد بن طولون ، ونزل في الدّار التي عملها فيه للإمارة - وقد فرشت وعلّقت ، وحملت إليها الآلات والأواني وصناديق الأشربة وما شاكلها - فنزل بها أحمد وجدّد طهره وغيّر ثيابه ، وخرج من بابها إلى المقصورة ، فركع وسجد شكرا للّه تعالى على ما أعانه عليه من ذلك ويسّره له . فلمّا أراد الانصراف ، خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوّارة ، وخرج إلى باب الرّيح . فصعد النّصرانيّ الذي بنى الجامع المنارة « ( c » ، ووقف إلى جانب المركب النّحاس وصاح :

--> ( a بولاق : ونقل . ( b بولاق : كمفحص . ( c إضافة من المسودة . ( 1 ) وفيما يلي 894 .